Uncategorized
أخر الأخبار

إدمان الحرب في سبيل الإيمان

لن أتحدث في هذا المقال عمّا خلدته ماري كولفن من إرثٍ تقليديٍ خلفها؛ جوائز وتكريمات، بل سأرمي بنظرك إلى الرحلة التي أمضتها كولفن محاولةً إسماع العالم كله من كان بصوت مقهورٍ ولم يُسمع!

من هي ماري كولفن؟ ‘مطلع المشوار’

ماري كولفن هي صحفية أمريكية ولدت في 12 كانون الثاني/يناير 1956 في ولاية نيويورك ونشأت في لونغ آيلاند. كانت تدرس الأنثروبولوجيا في جامعة ييل الأمريكية، وبدأت الكتابة في ييل ديلي نيوز المحلية، حتى قررت أن تصبح صحفية. 

وبعد الجامعة عملت كولفن في يونايتد برس إنترناشونال في الولايات المتحدة، ومن ثم مديرةً لمكتب يونايتد برس في باريس عام 1984، حتى انتقلت في العام اللاحق للمملكة المتحدة للعمل في صنداي تايمز كمراسلة للشؤون الخارجية. ومن هُناك حتى وفاتها المأساوية في حمص – سوريا عام 2012، نقلت كولفن معاناة متضرري الحروب والنزاعات في العالم، والشرق الأوسط على وجه الخصوص، كما لم يفعل أيُ مراسل حربي قط!

مراسَلَة حربية أم إدمانٌ حروب؟

لم تكن ماري كولفن مراسلة عادية أو ممن يمارسون المهنة عباطًا أو سعيًا للتكريم والتبجيل، حتى رغم إدمانها الإقامة في قلب الحروب كانت تقول “علينا دومًا أن نتساءل ما إذا كانت القصة جديرة بالمخاطرة. فهناك فرقٌ بين الشجاعة والتفاخر!”

لم يُرى أن نادى إنسانٌ الموتَ، طارقًا ذات الباب بقوة مرارًا، حتى لم يعد بوسع الباب أن يرفض النداء. هذا ما فعلته ماري كولفن في سبيل الإيمان بقضية الإنسان؛ الموقف الأضعف وسط لحام النزاعات والحروب.

إذ مشت في مضارب الأرض مقدامةً؛ تدرك الخوف وترميه في كل يومٍ، محاولةً إسماع العالم من كان له صوتٌ مقهور ولم يُسمع!

كانت تعمل كولفن مراسلة حربية، وغطت العديد من النزاعات في مختلف دول والمناطق كالشيشان، وكوسوفو، وسيراليون، وزيمبابوي، واندونيسيا وتيمور الشرقية، حتى تخصصت في تغطية النزاعات في منطقة الشرق الأوسط.

في خطاب تكريمها بجائزة المؤسسة الدولية للإعلام النسائي عن الشجاعة في الصحافة؛ لتغطيتها للأحداث في كوسوفو والشيشان عام 2000، قالت كولفن “الأطفال تموت والنساء تنحب، إن معاناة الحرب لا يمكن وصفها، ولا أعتقد أني أنصفت أي حرب حقها؛ لا أظن أني أريتُ العالم ما أردت بالفعل أن يعرفوه عن الحرب، ولكنني أحاول. وبصرف النظر عما هو صائب أو خاطئ على طاولة النزاع، أشعر بالخيبة ما لم نواجه حقيقة الحرب، وما يقع فيه الإنسان من مصاب في كهذا صراعات، أولى من الالتفات إلى توثيق من هَزَم ومن هُزِم في هذه الحرب”.

وأضافت “كمراسلة حربية، لا أرى لرحلتي هذه نهاية”.

لم تكترث كولفن ما إن كانت طائرات الحرب من طراز معين أو هيئة ما، كما يحشو غيرها من المراسلين الحربيين تغطياتهم بها. إذ لم تصب بنظرها إلا نحو معاناة من وقع عليهم العبء الأعظم في حالة الحرب؛ من يحاولون البقاء على قيد الحياة، من نحَبْنَّ خسارة أبناءهن وأزواجهن في حرب العراق، ومن سرق الجيشُ معوناتهم في الحرب الأهلية في أندونيسيا عام 2001. حتى فقدت عينها اليُسرى آنذاك إثر شظايا قنبلة يدوية أطلقها الجيش السيرلانكي، مناديةً “إنني صحفية، ولا أملك أي سلاح”.

كولفن خارج الميدان و’الحرب الخاصة

بالنظر إلى مسيرة حياة مراسلة حربية، لا يمكنك تصديق رواية أن الحروب التي يخوضها المراسل الحربي هي نزاعات محلية ودولية وحسب. إذ عاشت ماري رحلة مضنية مع اضطراب ما بعد الصدمة كلما عادت من تغطية حرب ما، حتى أدمنت شرب الكحول كوسيلة للمضي قدمًا حتى ترجع لتوثيق أحداث ساحة حرب أخرى من جديد.

لم يكن وجع الغير الحرب الوحيدة التي كانت تأكل كولفن، بل بجانب كل من ساحات الحروب والاضطرابات خلافها، لطالما عاشت كولفن وحدها حرب حُلم الأمومة الذي لم يُرى! 

كانت ماري مزيجًا أنثويًا فريدًا، صلبةً بصوت غليظ ورقعة للعين وسترة واقية من الرصاص مرتدية تحتها حمالة صدرٍ ‘دانتيل’ من لابيرلا ، كما وصفتها ماري برينر.

كتبت برينر عن كولفن مقالًا مهد الطريق لفيلم “حرب خاصة” حتى رأى النور. تم إصدار الفيلم عام 2018. وصفته كاثلين كولفن (شقيقة ماري) “رغم تعصي مشاهدتي للفيلم ورؤية روزاموند بايك بحلتها المطابقة لمظهر ماري، ورغم مستوى الخيال الذي صُوِرَت فيه حياة ماري الشخصية، إلا أنه وسيلة رائعة للفت انتباه العالم إلى ما حاولت ماري تقديمه من خلال مهنتها”.

تقرير صحفي من إعداد صحيفة مصراوي في ذكرى مقتل كولفن

الموت الأحمر في سبيل الإيمان

وأثناء مرور كل هذا من فوق روح كولفن، كانت تردد “ليس هناك وجود لصحفيين قدامً وأشدَّاء، إما أن تكون صحفيًا قويًا أو أن تكون عريقًا”، وكأن الرحلة تقتصر على الاختيار بين اثنين لا ثالث لهما، إما الموت اللَصِبُ في سبيل الإيمان أو العيش مع الخوف.

اُغتيلت كولفن إثر استهداف الجيش السوري لها و”المركز الإعلامي” في حمص، حيث كانت تقيم مع العديد من العائلات المتأثرة من الحرب، ومع كل مِن المصور الصحفي بول كونروي والمصور الصحفي ريمي أوتشليك، الذي قُتل أيضًا، أثناء تغطيتهم حصار حمص في سوريا في 22 شباط 2012.

في الليلة الأخيرة لكولفن، ظهرت على شاشة بي بي سي، والقناة الرابعة، وسي أن أن، وآي تي إن، واصفةً قصف حمص بأسوإِ صراع واجهتهُ على الإطلاق.

قال كونروي، الناجي من استهداف النظام السوري لهم، كنا نحزم المعدات أثناء إطلاق نيران المدفعية السورية، حينها أُصيب كل من كولفن وأوتشليك أثناء مغادرتنا المركز الإعلامي. نجوت أنا بأعجوبة.

في عام 2016، رفعت كاثلين كولفن دعوى مدنية على النظام السوري متهمةً إياه بالقتل المتعمد خارج إطار القانون. وفي مقابلة للرئيس السوري بشار الأسد مع إن بي سي نيوز، قال إننا في حرب، وكولفن قدمت إلى سوريا بشكل غير قانوني وعملت مع الإرهابيين.. ولذلك فهي مسؤولة عن كل ما حدث لها!

وفي الثلث الأول من عام 2018 تم إثبات ذلك. وفي مطلع العام اللاحق، وأقرت المحكمة أن الحكومة السورية مسؤولة عن قتل ماري، وأمرتها بتعويض عقابي مقداره 300 مليون دولار أمريكي، و2 مليون تعويضًا لكاثلين، شقيقة ماري.

قال المذيع أندرسون كوبر في مقابلة حية مع السي أن أن -والذي تلقى آخر مراسَلَة لماري قبل اغتيالها- “يلقبها الناس بالمقدامة؛ أي أنها لا تعرف الخوف، ولا أعتقد أن ذلك يفيها حقها، إذ أظن أنها كمراسلة حربية، لطالما أحست بالخوف وسط لحام النزاعات والحروب، ولكنه لم يردعها من المضي قدمًا، وهذا تمامًا ما جعل منها ما كانت عليه؛ بطلة مغوارة”.

  • كتابة: أُنس الحمادين، 2018138076

لقراءة موضوعات أخرى: ابدأ من هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى